الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

44

مناهل العرفان في علوم القرآن

« الوجه الثاني » أن محاولة هذه الترجمة فيها ادعاء عمل لإمكان وجود مثل أو أمثال للقرآن ، وذلك تكذيب شنيع لصريح الآية السابقة . ولقوله سبحانه : وقال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله . قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ، إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ . إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ، أفلا تعقلون . فإن المتأمل في هاتين الآيتين يجد فيهما وجوها دالة على التحريم ، حيث عنون اللّه عن طلاب التبديل بأنهم لا يرجون لقاءه ؛ وأمر الرسول أن ينفى نفيا عاما إمكانه تبديله من تلقاء نفسه ، كما أمره أن يعلن أن أتباعه مقصور على ما يوحى إليه نسخا أو إحكاما . ومعنى هذا أن التبديل هوى من الأهواء الباطلة ، والرسول لا يتبع أهواءهم ولا هوى نفسه ولا هوى أحد . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى وفي ختام الآية الأولى إشارة إلى أن هذه المحاولة التي يحاولونها عصيان للّه ، وأنه يخاف منها عذاب يوم عظيم . وفي الآية الثانية إعلام بأن القرآن من محض فضل اللّه ، وأن الرسول ما كان يستطيع تلاوته عليهم ، ولا كان اللّه يعلمهم به على لسان رسوله ، لولا مشيئة اللّه وإيحاؤه به . ثم حاكمهم إلى الواقع وهو أن الرسول نشأ بينهم وعاش عمرا طويلا فيهم ، حتى عرفوا حديثه وأسلوبه وأنه مهما خلق في سماء البلاغة ؛ فبينه وبين حديث القرآن وأسلوبه بعد ما بين مكانة الخالق وأفضل الخلق . وأنه ما كان ينبغي أن يفترى الكذب على اللّه ويدعى أنه أوحى إليه ولم يوح إليه ، على حين أنه معروف بينهم بأنه الصادق الأمين ، فما كان ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على اللّه . ثم أعلن القرآن أخيرا أن هذا الطلب إهمال منهم لمقتضى العقل والنظر ، وانحطاط إلى دركة الحيوان والحجر ، إذ قال لهم « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » .